الشيخ محمد رشيد رضا

18

الوحي المحمدي

ذكر ( الوحي المحمدي ) في آيات متفرقة من السور المكية التي كانت تتلى على منكري وحى النبوة من العرب الذين كانوا أقوى البشر استعدادا لهداية هذا الوحي إذا عقلوه وآمنوا به ، لأنه لم يكن عندهم من التقاليد الدينية المسيطرة على القلوب والإرادات ، ولا من أمشاج الفلسفة البشرية الشاغلة للعقول والأفكار ، ولا من الاستبداد السياسي والاستعباد الروحاني السالبين لاستقلال الأفراد والجماعات ما يصرفهم عن فقهه وتدبره والاهتداء به ، أو يأفكهم عن الدعوة إليه وحمايته ، والجهاد بالأموال والأنفس في سبيل إقامته . دعوة الوحي المحمدي في هذه الآيات : ثم ذكر في هذه الآيات من هذه السورة المدنية [ النساء ] بما لم يذكر بمثلها في تفصيله وعموم الخطاب وخصوصه ، فخاطب في أولها محمدا رسول اللّه وخاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلم ثم وجه الخطاب في بعضها إلى الناس كافة ، وفي بعض آخر إلى أهل الكتاب خاصة . فبدأ خطاب النّاس كافة بأنه قد جاءهم ( الرسول ) الكامل الذي بشر به الأنبياء والرسل ، والنبي الأعظم الذي كانت تنتظره الأقوام والأمم ، ولذلك ذكر معرفا بأداة التعريف « 1 » وأنه جاءهم بالحق من ربهم ، وهو الحق المحض الذي جهله المشركون ، واختلف فيه الكتابيون ، فضلوا في هداية أنبيائهم ورسلهم ، وكفّر بعضهم بعضا ، ولعن بعضهم بعضا ، وكتب الفريقين واحدة ، وقد بين لهم ذلك في الآيات التي قبل هذه الآيات مباشرة ، وأهمها الخلاف في رسولهم النبي الروحاني المصلح المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، ثم أعاد ذكره ونهاهم عن الغلو فيه في هذه الآيات ، وهي مشتملة على المسائل العشر الآتية : ( الأولى ) أن اللّه تعالى أوحى إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم كما أوحى إلى نوح أول رسول أرسله إلى الأمم وقص عليه خبره في السور المكية وإلى النبيين من بعده ، فوحيه إليه كوحيه إليهم ، أي مثله في جنسه وموضوعه والغرض منه ، فهو ليس بدعا من الرسل ولا أولهم ، ولكنه خاتم الرسل المكمل لهدايتهم ، وخص بالذكر منهم أشهر أنبياء بني إسرائيل المعروفين عند أهل الكتاب المجاورين له في الحجاز وما حوله ، وقد كانت دعوته صلّى اللّه عليه وسلم بلغت اليهود والنصارى جميعا فيها ، والمراد بالأسباط الأنبياء من سلالة أبناء يعقوب ، عمم ثم خصص .

--> ( 1 ) كان اليهود ينتظرون ثلاثة من الأنبياء والمصلحين ، المسيح وإيلياء والنبي المطلق الذي بشر به موسى ومن بعده . ومن أدلة ذلك ما جاء في الفصل الأول من إنجيل يوحنا وملخصه : أنه لما ظهر يوحنا المعمدان ( وهو يحيى ابن زكريا عليهما السلام ) ؛ وصار يعمد الناس في نهر الأردن ، أرسلوا إليه وفدا ليعرفوا أي الثلاثة هو فسألوه : أأنت المسيح ؟ قال : لا . قالوا : أأنت إيليا ؟ قال : لا . قالوا : أأنت النبي ؟ قال : لا . « 25 فسألوه وقالوا له : فما بالك تعمد الناس إذا كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي ؟ إلخ فذكروا النبي معرفا ، ولو قالوا : له أأنت نبي بالتنكير ؟ لما قال لا .